الذكاء الاصطناعي... ضرورة لتطوير الرعاية الصحية في المستشفيات الجزائرية

لم يعد استعمال التكنولوجيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، أمرا كماليا، بل أصبح ضرورة لتطوير القطاع الصحي، خاصة في المستشفيات الجزائرية. فقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن الاعتماد على الطرق التقليدية وحدها يحد من فعالية التشخيص والتنبؤ بالأمراض. وبالاستعانة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، يستطيع الطاقم الطبي تحسين جودة الرعاية الصحية، وتقليل الأخطاء، ورفع دقة وسرعة الكشف عن الأمراض والتنبؤ بها، بما يدعم اتخاذ القرار الطبي.

مشروع بحثي جزائري

يعمل الدكتور د. محمد بكوش ، أستاذ باحث بالمدرسة العليا للإعلام الآلي بسيدي بلعباس، رفقة فريقه البحثي، على دراسة مرض خطير يصيب النساء الحوامل، وقد يؤدي إلى مضاعفات تهدد حياة الأم والجنين إذا لم يتم اكتشافه والتعامل معه في الوقت المناسب.

ويعرف هذا المرض باسم تسمم الحمل أو مقدمات الارتعاج. وتبدأ أعراضه السريرية عادة بعد الأسبوع العشرين من الحمل، ويتميز بارتفاع ضغط الدم واضطرابات قد تؤثر في وظائف أعضاء حيوية، كما يؤثر في تدفق الدم إلى المشيمة والجنين. وفي كثير من الحالات، يكون إنهاء الحمل هو الحل الطبي النهائي للحفاظ على حياة الأم والجنين.

ويهدف المشروع إلى تطوير حلول حديثة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي للتنبؤ المبكر بخطر الإصابة بتسمم الحمل، بما يدعم المنظومة الصحية الجزائرية.

الفرق بين الكشف والتنبؤ

هناك فرق جوهري بين الكشف عن المرض والتنبؤ به. فالكشف يتم بعد ظهور الأعراض أو العلامات السريرية، أما التنبؤ فيتم قبل ظهور أي أعراض، بهدف تقدير احتمال الإصابة بالمرض مستقبلا، مما يسمح باتخاذ إجراءات وقائية في الوقت المناسب.

لماذا التنبؤ المبكر؟

ينطلق فريق البحث من قناعة علمية مفادها أن التنبؤ المبكر بتسمم الحمل يعد عاملا أساسيا للوقاية من مضاعفاته. فإذا أمكن تحديد النساء الأكثر عرضة للإصابة قبل الأسبوع العشرين من الحمل، يصبح بالإمكان تطبيق تدابير وقائية أثبتت الدراسات العلمية قدرتها على خفض خطر الإصابة لدى فئات معينة من الحوامل.

كما يسعى الفريق إلى تطوير حلول تتلاءم مع واقع المستشفيات الجزائرية، التي لا تزال تعتمد في كثير من الحالات على وسائل تقليدية بسبب محدودية الإمكانات والتجهيزات المتخصصة.

الطرق التقليدية

تعتمد الطرق التقليدية أساسا على حساب متوسط الضغط الشرياني (MAP) انطلاقا من قياسات ضغط الدم الروتينية، ثم مقارنة النتيجة بعتبة خطر معروفة. ونظرا لعدم توفر العديد من الكواشف البيولوجية والأجهزة الحديثة في معظم المستشفيات العمومية، تبقى هذه الطريقة الأكثر استعمالا.

دور الذكاء الاصطناعي

في المرحلة الأولى من المشروع، طور فريق البحث نماذج تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، بهدف التنبؤ بخطر الإصابة بتسمم الحمل، مع الحرص على أن تكون قابلة للاستعمال في البيئات ذات الموارد المحدودة، وخاصة في الجزائر.

وتعتمد هذه النماذج على دمج قيمة متوسط الضغط الشرياني مع عشرات المؤشرات الأخرى، كالتاريخ الطبي، والأمراض المزمنة، وعمر الأم، ومؤشر كتلة الجسم، ونوع الحمل، وعمر الحمل، وغيرها، لإنتاج تقدير لاحتمال الإصابة بالمرض. وتتميز هذه المؤشرات بأنها تعتمد على فحوصات روتينية منخفضة التكلفة ومتوفرة في معظم المستشفيات الجزائرية.

يعتمد الذكاء الاصطناعي على تحليل عدد كبير من المؤشرات الطبية في الوقت نفسه، ودراسة تطورها مع مرور الوقت، مما يسمح باكتشاف أنماط قد لا تظهر عند الاعتماد على قيمة واحدة أو عتبة ثابتة.

ومن الحالات التي توضح ذلك، قد تكون قيمة متوسط الضغط الشرياني أقل من عتبة الخطر، لكنها ترتفع بوتيرة غير طبيعية خلال فترة قصيرة. وتستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي اكتشاف هذا النمط والتنبيه إلى احتمال تطور المرض، بينما قد تعتبر الطرق التقليدية الحالة آمنة في تلك المرحلة.

كما تختلف الحدود الطبية باختلاف عمر الحمل، ونوع الحمل، والتاريخ المرضي للأم، وعوامل أخرى. ولذلك تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي تكييف تقييمها لكل حالة اعتمادا على البيانات الطبية، بدلا من الاعتماد على قيمة موحدة لجميع الحوامل.

الهدف من المشروع

يؤكد فريق البحث أن الهدف من الذكاء الاصطناعي ليس استبدال الطبيب، وإنما تزويده بأداة ذكية تساعده على تحليل عدد كبير من المعطيات في وقت قصير، واكتشاف الأنماط التي قد يصعب ملاحظتها بالطرق التقليدية، بما يدعم اتخاذ القرار الطبي في الوقت المناسب، ويساهم في حماية صحة الأم وجنينها.

يتبع...

سيتم في الجزء الثاني من هذا المقال عرض المرحلة الثانية من المشروع، والتي تهدف إلى توسيع استخدام التقنيات الحديثة في التنبؤ بتسمم الحمل، والاعتماد على مؤشرات حيوية متقدمة ونماذج ذكاء اصطناعي أكثر تطورا، بما يساهم في الارتقاء بجودة الرعاية الصحية في الجزائر.

--